ابن عجيبة
209
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقضية أبى الخير العسقلاني : اشتهى السمك فلما مدّ يده ليأكل أخذت شوكة من عظامها أصبعه ، فذهبت في ذلك يده . وقضية إبراهيم بن شيبان : قال : ( اشتهيت شبعة من الخبز والعدس ، فاتفق ذلك ، فأكلت حتى شبعت ، ثم رأيت منكرا ، فغيرته ، فأخذوني وضربونى مائة خشبة ، وطرحونى في السجن أربعة أشهر ، حتى شفع فىّ شيخى ، فخرجت ، وقال : أخذتها مجانا ) ، أي : حيث عوقبت في ظاهرك دون باطنك . وقضية خير النسّاج : قال : ( عاهدت اللّه وعقدت ألّا آكل الرّطب فغلبتني نفسي ، فأخذت نصف رطل ، فلما أكلت واحدة إذا برجل نظر إلىّ وقال : يا خير ، أين هربت منى ؟ وكان له عبد اسمه خير ، فوقع علىّ شبهه - قال : فبقيت معه عدة أشهر أنسج له الكرباس - وهو القطن الأبيض - ، ثم تبت فزال عنى الشّبه ) . فمن عفى له عن شئ من هذه الجناية ، بعد الأدب أو قبله ، فليشكر اللّه ، ويتبع ما أمره به ، ويؤدى ما فرضه عليه بالمعروف ، من غير إسراف ، ولا تقصير ، ذلك تخفيف من اللّه عنه ، ورحمة به ، فمن اعتدى بعد ذلك ، ورجع إلى ما تاب عنه فله عذاب أليم ، وهو الطرد عن حضرة الأحباب ، إلى الوقوف بالباب أو سياسة الدواب ، إلا من تاب وعمل صالحا فإن اللّه يتوب على من تاب . ولكم في القصاص في دار الدنيا - حياة عظيمة لأرواحكم وأسراركم ؛ لأن ذلك اعتناء بكم يا أولى الألباب ، لعلكم تتقون كل ما يشغلكم عن مولاكم . ولمّا ذكر القصاص وهو مظنّة الموت ، والموت من أسباب الوصية ذكرها بإثره ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 180 إلى 182 ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) قلت : إِذا حَضَرَ ظرف ، العامل فيه : كُتِبَ ، أي : توجّه إيجاب الوصية عليكم إذا حضر الموت . أو مصدر محذوف يفهم من الوصية ، أي : كتب عليكم الإيصاء إذا حضر الموت ، و الْوَصِيَّةُ نائب فاعل كُتِبَ ، ولا يصح أن تعمل في ( إذا ) ؛ لتقدمه عليها ؛ لأن المصدر لا يعمل في ما قبله ، إلا على مذهب الأخفش . اللهم إلا أن يتوسع في الظروف ، وجواب الشرطين محذوف ، أي : إذا حضر أحدكم الموت ، إن ترك خيرا ، فقد كتبت عليه الوصية . والجنف : الميل عن الصواب ، فإن كان خطأ فهو جنف بلا إثم ، وإن كان عمدا فهو جنف إثم .